قصة شعيب وقومه "قطاع الطرق"

نعيش معكم اليوم مع قصة خطيب الأنبياء، النبي الكريم شعيب عليه السلام، وهو من الأنبياء القلائل الذين أرسلهم الله تعالى من العرب، إلى جانب كل من هود وصالح وإسماعيل ومحمد صلى الله عليه وسلم. أُرسل شعيب عليه السلام إلى قرية يقال لها مدين، وتقع في أطراف بلاد الشام من ناحية الحجاز، وكانت قرية صغيرة، وأهلها من الضعفاء قليلي الحيلة، فمن الله عليهم بأن كثر عددهم، وراجت وازدهرت تجارتهم، وأجرى الله لهم الخير.

وبالرغم من دعوته عليه السلام لأهل مدين، إلا أنهم كفروا بنعمة الله، وحادوا عن الصراط المستقيم، فأول ما كان منهم من كفرهم بالله أنهم عبدوا شجرة يقال لها الأيكة، ومع هذا الكفر والشرك بالله تعالى، كانت لهم معصية قيل إنهم ابتدعوها، ولم يسبقهم أحد إلى فعلها، وهي أنهم كانوا قطاع طرق، يعترضون القوافل التي تسير في طريقهم، فيسرقونها أو يأخذون من أصحابها عُشر ما فيها، لكون أنها مرت من أرضهم، فيأكلون أموال الناس ظلماً.

كما كان أهل مدين يعملون في التجارة والبيع والشراء، وكان تعاملهم في تجارتهم مبنياً على غش الناس، والتطفيف في المكيال، واللعب في الميزان، وسبحان الله كيف قص لنا قصة هذا النبي الكريم مع قومه ليحذر الناس من نماذج من البشر اتخذت هذا الأسلوب في التعامل والتجارة، فتغش وتخدع وتطفف في المكيال، وليتها تعتبر بما كان من حكم الله تعالى في قوم شعيب، وصدق الله تعالى إذا يقول: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف :111)

الدعوة إلى الله
أخذ شعيب عليه السلام يدعو قومه لعبادة الله تعالى، وينهاهم عن الغش والخداع الذي غرقوا فيه، ويأتيهم بالمعجزات التي تثبت لهم صدق نبوته ودعوته، وقال لهم إني أراكم بخير، أي أن الله تعالى رزقكم من الخير والتجارة الحلال ما يكفيكم عن التعاملات المحرمة والغش والخداع، لكن ضعيف الإيمان أو الذي لا يؤمن يخاف من الفقر، بل من الخسارة، فيلجأ للغش والتعاملات المحرمة، وإلى عدم الصدق في تجارته، وينسى أن الله تعالى هو الرازق والموفق.

وأن خزائن الملك بيده، وأنه مهما عمل بجهده لن ينال خيرا دون توفيق الله تعالى، وأن الإنسان إن استطاع أن يغش ويخدع الناس فذلك ليس ذكاء أو فطنة، وإنما هو ابتلاء واختبار من الله تعالى، ليرى صنيعه لو تمكن من خداع الناس، فإذا فشل في هذا الاختبار أذهب الله عنه البركة، ومحَق ماله، أما إن تعامل بالحلال وعفَّ نفسه عن الحرام، فإن الله تعالى يبارك في هذا المال، وينميه، ويجد الإنسان بركته في نفسه وأهله وصحته ورزقه.

إصرار على الكفر
إن إصرار أهل مدين على كفرهم، جعلهم يكذبون بما جاء به شعيب عليه السلام، وأخذوا يستهزئون به، فقالوا (يا شُعيبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ، إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود: 87) فواجهوا دعوته عليه السلام بالتكذيب والاستغراب من الطلب الذي طلبه منهم، إذ تعجبوا من أن يكون الدين هو من يأمرهم بالتوحيد.

وما زاد استغرابهم هو أن يتدخل الدين في أمورهم التجارية، ويمنع عنهم الغش ويضع لهم ضوابط التصرف في الأموال. الغريب في هذا الأمر ان ثمة من ينادي اليوم بفصل الدين عن أمور الحياة، وأنه يعيق التطور والتنمية في المعاملات المالية والتجارة العالمية، ولا يدري هؤلاء بأن الله تعالى الذي خلق الخلق، جعل الدين لتهذيب الأخلاق، وضبط شؤون مسير حياتهم، فهو سبحانه من خلقهم، وهو العالم بما يصلح أمورهم.

سخرية وتشكيك
بعد جولات دعوته أبناء قومه إلى الله، وترك الضلال والكفر الذي هم فيه، أخذوا يتهكمون عليه، ويسخرون منه، ويشككون بحقيقة رسالته، بالرغم من أنهم كانوا على علم أنه على الحق، وأنهم كلهم على ضلال، فقالوا (إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيد) (هود: 87) وهذا دليل على سخريتهم منه عليه السلام، بأنه الوحيد الذي وصل إلى مرحلة الرشد بين أهل مدين.

لكن سخريتهم كانت تقابل بالحجج والبراهين والمعجزات، كيف لا وشعيب عليه السلام خطيب الأنبياء، فلما تعبوا من المجادلة معه، ورأوا أنهم لا يستطيعون إقامة الحجج عليه، انتقلوا إلى مرحلة جديدة من التكذيب بأن أغلقوا عقولهم عما يقول لهم نبيهم، وقالوا (يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا، وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ، وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) (هود: 91)، فأعرضوا عن الهدى، وهددوه بالرجم، لكن ما يثنيهم عن ذلك هو مكانة أهله وعشيرته.

استمرار في الدعوة
وبالرغم من هذا التحكم، والسخرية، والإصرار على التكذيب، والتبخيس من قيمة رسالته عليه السلام، وصدق نواياه في إخراجهم من الضلال والكفر والتيه، إلا أنه استمر في دعوتهم دون كلل أو ملل أو التفات لما يثيرونه من أباطيل، فلما رأوا منه ذلك قرروا أن يطردوه هو ومن آمن معه فقالوا (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) (الأعراف: 88) فقال لهم شعيب (أولو كنا كارهين) أي أننا لن نخرج مكرهين من هذه الأرض. فكما هي أرضكم هي أرضي وأرض المؤمنين، ودعا على قومه بأن يفصل الله تعالى الحكم بينهم، ويفرق بين المؤمنين والكافرين، فقال عليه السلام (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف: 89) وتوعدهم على تكذيبهم وقال (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ، سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ، وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) (هود: 93).

الاستجابة للدعاء
بعد هذا الدعاء الذي خرج من نبي من أنبياء الله تعالى، جاءت الاستجابة، وبدأ العذاب لقوم مدين، فحبس الله عنهم الرياح سبعة أيام، وازدادت درجة الحرارة، حتى ضج الناس من الطقس، وصاروا يتنفسون الهواء بصعوبة نظراً لقلته، ثم جاء العذاب وعقب تلك الأيام السبعة الثقيلة على أهل مدين جاءت الغيوم، وأخذت الظلال تتجه ناحيتهم، ولما وصلتهم توقفت.

وظلت جاثمة في مكانها، فراح القوم يهرعون إليها طلباً للظل، بعد تلك الأيام الصعبة التي قضوها دون ظل أو هواء، وخرج إليها الجميع إلا المؤمنين، وما إن تجمعوا تحت تلك الغيمة، حتى تزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، وسقطوا على الأرض من شدة الزلزال، ثم صاح عليهم جبريل صيحة أهلكتهم جميعاً في مكانهم، قال تعالى (َفكَذّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظّلّةِ إِنّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظيم) -) 189 - سورة الشعراء (، وقال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (هود: 94).

وبقي قوم مدين على هذه الحال، إلى أن مر بهم شعيب عليه السلام راحلاً من أرضهم، وكلمهم وهم جثث هامدة، قائلاً (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ) (الأعراف: 93)، ثم ذكر أنه عليه السلام انتقل من مدين وسكن مكة، هو ومن معه من المؤمنين، ومات ودفن فيها.

دعوة للتوحيد  
أرسل الله إلى قوم مدين شعيباً عليه السلام ليدعوهم للتوحيد، وعبادة الله تعالى ولكي يثنيهم عن عبادة الشجرة، وعن الغش والخداع في البيع والشراء، وقطع الطريق على الناس، واتباع الأمانة في التعاملات التجارية، قال تعالى (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً. قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ. وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ محِيطٍ) (هود: 84).

قصص قرآنية